محمد محمد أبو موسى
560
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
تجاوزت في هذا التعبير طور الحقيقة . وانتقلت إلى طور آخر كانت فيه ذات مدلول مجازى جديد ، ثم انتقلت من هذا المعنى المجازى الجديد إلى معنى مجازى آخر . وهذا لا يمنع أن تظل الكلمة دالة على المعنى الأصلي الذي تفرعت عنه هذه المعاني ، ولو نظرنا إلى كلامه هنا وإلى حديثه عن المجاز والكناية اللذين يصبحان في شهرة الحقيقة ولا يلتفت فيهما إلى المعاني الأصلية ، لقلنا : ان هذه النظرات كانت احساسا واضحا بضرورة بحث تطور الدلالات في الألفاظ . وقد كانت هذه الارهاصات جديرة بأن تكون بذورا لدراسة لغوية شاملة ترصد فيها معاني الكلمات ، وما يعتريها من التغيير في تاريخها البعيد . وما أدرانا فلعل كثيرا من الكلمات التي نستعملها في معان نعتقد أنها فيها حقيقة لغوية تكون من هذا القبيل من المجاز الذي نسيت حقائقه ، وماتت ، وابتلعها التاريخ الطويل المجهول لهذه اللغة . ألسنا ننكر كثيرا من ألفاظها التي نبا عنها الذوق لما أهلمها التاريخ أو نبا عنها الذوق فأهملها التاريخ ، وليس انكارنا لها مانعا من أن تكون لغة أدبية يوما ما ، لها تأثيرها ، وايحاؤها في فترة من فترات التاريخ اللغوي ، بل قد تكون هذه الألفاظ مرت بزمن ازدهرت فيه وكانت أكثر تداولا في هذا الزمن المجهول . لم نستبعد اذن أن تكون كلمات كثيرة من التي نستعملها الآن وتشير معاجمنا إلى معانيها الحقيقية قد انتقلت من معانيها الأولى إلى معان أخرى ، ثم نسي هذا النقل وصارت حقيقة فيما كانت فيه مجازا ؟ ولعل هذا يكون قد تكرر بالنسبة للكلمة الواحدة ، وكل هذه ضروب من الظن ، لا أستطيع الجزم بقبولها أو رفضها ، وانما أردت بكل هذا أن أقول إن هذه اللفتات التي أشار إليها الزمخشري في تطور دلالات الألفاظ المجازية أوحت اليه بها عبقرية لغوية نادرة تحس بأبعاد الدرس اللغوي وآفاقه ، وما يجب على الدارس أن يلتفت اليه في هذه الدراسة .